نسعى لنترك أثراً ملهماً حول العالم

الإله عشتار : الموسوعة الشاملة للأسطورة

0 203

كانت منطقة ما بين النهرين القديمة مهدًا للحضارات الأولى في تاريخ البشرية. منذ عام 2300 قبل الميلاد وحتى أفول الإمبراطورية الفارسية سنة 331 ق.م، اتخذت الشعوب المتعاقبة من آشوريين وأكاديين وبابليين هذه المنطقة موطنا لها، ومنها امتدت جذور الحضارة عميقًا في الشعوب الأخرى. وكما عُرف من خلال الرقم المسمارية المكتشفة فإن مجتمعات بلاد الرافدين كانت مثلها مثل الشعوب القديمة الأخرى، مجتمعات متعددة الآلهة تعبد عددًا كبيرًا من الآلهة التي أشرفت على كل جانب من جوانب عالمهم. فيما كانت الإله عشتار واحدة من أكثر الآلهة تعقيدًا وأهمية. إلهة الحب والجنس والحرب ألهبت خيال فنانوا ذاك العصر والعصور المتلاحقة الأخرى. هذا المقال أشبه بموسوعة شاملة، تجد فيه كل ما يثير تساؤلك عن الحقائق التي رسمت لنا حكاية عشتروت بأسمائها وألقابها المختلفة.

من هي الإله عشتار، الإسم والأصول؟

الإله عشتار

في بداية نشوء الحضارة الرافدية، لم تعرف الآلهة عشتار باسمها بل أطلق عليها السومريون اسم “إنانا”، فيما عرفها البابليون والأكاديون والأشوريون باسم عشتار. إلى هنا تبدو الأمور في نصابها الصحيح، ولكن بعض من العلماء والباحثين اعتقدوا أن عشتار وإنانا كانا إلهين منفصلين دُمجا في آلهة واحدة هي ” عشتار”. ولكن من الثابت أنَّ لـ الإله عشتار أخ توأم عرف بين السومريين بإسم أوتو، وأختها هي أرشيكيجال آلهة العالم السفلي ولأجل لقائها كان ذهاب عشتار لعالم الشياطين والمكائد. أمّا زوجها فهو ديموزي (تموز) إله المراعي. فيما لم يتفق الباحثون حول من يكون والداها، فالبعض ذهب إلى أنها ابنة “سن” إله القمر ونينغال آلهة القصب.

ما هو شكل الإله عشتار؟

شكل الإله عشتار

وصفت عشتار في أساطير بلاد ما بين النهرين بأنها إله يمتلك كل القوى الإلهية العظيمة، فغالبا ما تمّ تصويرها بالآلهة الشرسة المقاتلة التي تدخل الحروب وهي تمتطي سبعة أسود عملاقة. كما يصورها العديد من الباحثين على أنها شديدة الذكاء، ففي ملحمة جلجامش استطاعت إقناع (آن) الإله الأعلى في بلاد الرافدين بإعطائها ثور السماء لتنتقم من جلجامش لرفضه الزواج منها، وتسببت في النهاية في وفاة رفيق جلجامش الأقرب، “إنكيدو”. فيما تمكنت من الحصول على مساعدة إله الحكمة (إيا) للتخلص من قضاة العالم السفلي. عشتار القوية والجميلة آلهة الجنس كما الحرب، لم يشفع حب ديموزي لها من الإيقاع به في العالم السفلي لتتمكن من إطلاق سراحها.

بعض الأساطير صورتها على أنها آلهة الحب التي لا يجف لها دمعا على غياب زوجها، في الوقت نفسه، صورتها حكايات أخرى على أنها إله متناقض الطبائع دمّر عشاقه وقادهم إلى مصائر مروِّعة. كانت الرموز الرئيسية المرتبطة بعشتار هي الأسد والنجمة ذات الثمانية أو الستة عشر. كما ارتبطت الإلهة أيضًا بكوكب الزهرة نجمة الصباح والمساء. معلومات وتفاصيل أكثر مع نصوص مقتطعة من عدّة كتب تمّ ذكر عشتار فيها يمكنك معرفتها بمراجعة مقالنا: شكل الإله عشتار: آلهة الحرب والحب

من هي عشتار في التاريخ؟

عشتار في التاريخ

كشفت صور عشتار في سجلات ما بين النهرين عن إله مزدوج متناقض في الطبائع. فهي آلهة الجنس والخصب وعلى طرف النقيض هي آلهة الحرب والقتال. وبذلك يكون لعشتار نفوذ على أعظم قوتين في الطبيعة، الموت والحياة.

هذه الصور المتضاربة لـ الإله عشتار وأدوارها المختلفة جعل صورتها شديدة التعقيد بالنسبة للباحثين الذين عكفوا على تفسير النصوص التي وردت في الرقم واللوحات المكتشفة. فيما لم تنقص هذه التناقضات من قيمة عشتار وأهميتها التاريخية في بلاد الرافدين، فقد تجاوزت الحدود الجغرافية والسياسية لمنطقة بلاد ما بين النهرين، لتعبدها العديد من الحضارات الأخرى وتبني لها المعابد في مدن مثل “نينوى وأور “، فيما كان أشهر هذه المعابد في مدينة أوروك السومرية.

كان ملك بلاد الرافدين الشهير “سرجون العقاد” من أكثر الملوك تأييدا وحبا لعشتار، فيما تنسب أقدم ترنيمة خصصت لعشتار لابنة سرجون الأكادي الكاهنة “إنهدوانا”. نفس هذه المكانة استحوذت عليها عشتار عند الآشوريين، كما كان لـ الإله عشتار تأثير عظيم على المجتمع البابلي، وهذا ما نلمسه تخصيص البوابة الرئيسية لمدينة بابل “لملكة السماء” في عهد الملك نبوخذ نصر. عشتار في تاريخ الشرق الأدنى القديم تجدها في مقالنا المفصّل: عشتار في التاريخ | أسرار عن آلهة الخصب والأنوثة.

قصة عشتار وتموز

قصة عشتار وتموز

تقول المغنية بات بيناتار( Pat Benatar) “الحب ساحة معركة”، وهذا بالضبط ما تجلى في أسطورة نقلها التاريخ إلينا عبر الحكايات والنصوص القديمة، إنها أسطورة عشق بطليها عشتار وتموز. إلهين بمدرّعين بقوى الطبيعة، آلهة الجنس، الحب والرغبة، آلهة المعارك المحاربة الشرسة مقابل “ديموزي” إله المراعي الحبوب، والحصاد. إلهين تجمعهما قصة ولادة وموت، فصول متعاقبة من الغياب ومواسم تتفتح فيها براعم اللقاء.

عشتار وتموز بطلان في إحدى قصص الحب الأولى في العالم مع تاريخ أدبي يعود إلى القرن الثاني والثالث قبل الميلاد. في الشعر الذي يحكي عن ارتباطهما بعلاقة عاطفية متقدة، لكنها في تفاصيل نهايتها لا تخرج عن الإطار المألوف لأساطير الحب العظيمة التي تنتهي بشكل مأساوي. وكما أن الحب والحرب كلاهما قوتان لهما القدرة على خلق الفوضى والاضطراب. ومع ذلك، فإن الحب في بلاد ما بين النهرين يمكن أن ينجو من الموت. حتى بالنسبة إلى تموز، كان الحب هو الخلاص والحماية.

أول من كتب قصة حب الإله عشتار هي “إنهدوانا” ابنة سرجون وكاهنة في معبد إله القمر عاشت في أور حوالي عام (2300) قبل الميلاد. ذكرت الأسطورة في النسختين الأكادية والسومرية باللغة المسمارية، فيما تمّ كشف تشفيرهما في القرن التاسع عشر الميلادي. في حين أن بداية القصة تبدأ بمغامرة طموحة ولكن غير محسوبة من الإله عشتار، تنتهي بنقمتها على حبيبها تموز الغارق باللامبالاة على وفاتها التي كان لها عواقب وخيمة، بما في ذلك وقف كل العلاقات الجنسية الدنيوية الحميمة والخصوبة.

يفسر الباحثون سعي عشتار للانتقام في أسطورة تموز وعشتار إلى ارتباطها بالعدالة السماوية، فيما يكون الولاء هو المعيار الذي تستخدمه عشتار في اختيار من يحل مكانها في عالم الأموات. لتقف على معلومات وتفاصيل مشوقة أكثر، لا بد لك من زيارة مقالنا بعنوان: قصة عشتار وتموز الإله الميت الحي.

ليس للسماء غضب مثل الحب يتحول الى كراهية، ولا للجحيم غضب مثل امرأة محتقرة

وليام كونجريف

كانت الإله عشتار واحدة من أكثر الآلهة شهرة في آلهة بلاد ما بين النهرين. ويتجلى إرث عشتار بوضوح من خلال تأثيرها على النماذج الثقافية اللاّحقة، حيث ساهمت صورتها في تطوير أشهر إلهة حب في العصر القديم “أفروديت” إلهة الحب اليونانية. فيما يوفر استكشاف صورة أول إلهة في العالم نظرة ثاقبة لثقافة بلاد ما بين النهرين والقوة النابضة للحب عبر العصور.

اترك رداً

لن يتم عرض بريدك الالكتروني.

تم إضافة تعليقك بنجاح

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء ملفات الكوكيز في أي وقت إذا كنت ترغب في ذلك. موافققراءة المزيد